الجاحظ

215

الحيوان

ثم من بعد هذا كلّه ، سألت عنها بعض من لقيته . فقال لي : التمسها عند تلك النار . فأتيتهم فإذا همّ قد نتجوها حوارا [ 1 ] ، وقد أوقدوا لها نارا فأخذت بخطامها وانصرفت . 867 - [ عدم إيمان النّظّام بالطيرة ] وأخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام قال : جعت حتّى أكلت الطين ، وما صرت إلى ذلك حتّى قلبت قلبي أتذكّر : هل بها رجل أصيب عنده غداء أو عشاء ، قما قدرت عليه ، وكان علي جبّة وقميصان ، فنزعت القميص الأسفل فبعته بدريهمات ، وقصدت إلى فرضة الأهواز ، أريد قصبة الأهواز ، وما أعرف بها أحدا . وما كان ذلك إلّا شيئا أخرجه الضّجر وبعض التعرّض . فوافيت الفرضة فلم أصب فيها سفينة ، فتطيّرت من ذلك . ثم إني رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيرت من ذلك أيضا ، وإذا فيها حمولة ، فقلت للملاح : تحملني ؟ قال : نعم . قلت : ما اسمك ؟ قال : « داوداذ » وهو بالفارسية الشّيطان ، فتطيرت من ذلك . ثم ركبت معه ، تصكّ الشمال وجهي ، وتثير بالليل الصّقيع على رأسي . فلما قربنا من الفرصة صحت : يا حمّال ! معي لحاف لي سمل ، ومضربة خلق ، وبعض ما لا بدّ لمثلي منه ، فكان أول حمّال أجابني أعور فقلت لبقّار كان واقفا : بكم تكري ثورك هذا إلى الخان ؟ فلما أدناه من متاعي إذا الثّور أعضب القرن ، فازددت طيرة إلى طيرة ، فقلت في نفسي : الرّجوع أسلم لي . ثم ذكرت حاجتي إلى أكل الطين فقلت : ومن لي بالموت ؟ ! فلما صرت في الخان وأنا جالس فيه ، ومتاعي بين يديّ وأنا أقول : إن أنا خلفته في الخان وليس عنده من يحفظه فشّ الباب وسرق ، وإن جلست أحفظه لم يكن لمجيئي إلى الأهواز وجه . فبينا أنا جالس إذ سمعت قرع الباب ، قلت : من هذا عافاك اللّه تعالى ؟ قال : رجل يريدك ، قلت : ومن أنا ؟ قال : أنت إبراهيم . فقلت : ومن إبراهيم ؟ قال : إبراهيم النّظّام . قلت : هذا خنّاق ، أو عدوّ ، أو رسول سلطان ! ثم إني تحاملت وفتحت الباب ، فقال : أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز ويقول : نحن وإن كنّا اختلفنا في بعض المقالة ، فإنّا قد نرجع بعد ذلك إلى حقوق الإخلاق والحرّيّة . وقد رأيتك حين مررت بي على حال كرهتها منك ، وما عرفتك حتى خبّرني عنك بعض من كان معي وقال : ينبغي أن يكون قد نزعت بك حاجة .

--> [ 1 ] الحوار : ولد الناقة . « القاموس : حور » .